الأحد , يناير 22 2017

رحَلَ مطرانُ العرب : فهلْ نحفظُ الأمانة ؟ ” بقلم الاستاذ ناصيف ياسين

… وامتطى ” مطرانُ العرب ” : هيلاريون كبّوجي هَمَّ قناعاتِهِ ، من حلب / الشمال السوريّ ، مُوَلّيًا وجهَهُ شطْرَ ” الجُلجُلَةِ ودرب آلامها ” نحو كنيسة المهد ، لِيَتكرّسَ مطرانًا لِ ” زهرةِ المدائن ” عام 1965.
كان مُدرِكًا بِفَيْضٍ روحِهِ ، أنّ عبيرَ الثرى الذي ” الذي اهتزّ فيه جِذْعُ النخلةِ ” فتساقطَ على ” العذراء ” و” طفل المِذْوَدِ – في المغارةِ … رُطَبًا جَنِيّا” ، لا يصحّ أنْ يمْسَسْهُ دَنَسٌ مِن قهرٍ ، أو دَوْسُ اغتصاب ؟!
أيقن المطرانُ ، بثاقِبِ فِكرِهِ ، أنّ ” المسيحَ الفلسطينيّ ” : بروحِهٍ المشرقيّةِ ، وأمدائه العالمية ، هو غيرُ الذي ” استنسخَتْهُ – تهجينًا: المسيحيَّةُ المُتصَهْيِنَةُ ” الداعمةُ للصهيونيةِ ” المُتلبِّسَةِ باليهودية ” : المولودتين من أحشاء الرأسمالية و” العولمَةِ المُتوحِّشة ” !
هكذا وعى المطرانُ الثائرُ ، باكرًا ، تحذيرَ ” المُخَلّصِ ” القاطع : ” لا تعبدوا رَبَّيْن : ألله ، والمال ” … فاختارَ عبادة الله ، في مواجهةِ عبيد المال : من الصهاينةِ وأمثالهم مِن مُغتَصِبي أرزاق الشعوبِ وأوطانهم … وأنّهُ آنَ الأوانُ لِأنْ يُصبِحَ في الكنيسةِ ” رجالٌ قلوبُهُم مِن ذهب ، وصلبانُهُم مِن خشب ” بَدَلَ أنْ يتوشّى – كما يفعلُ بعضُهُم – بصلبانٍ من ذهب ، وفي أجوافِهِم قلوبٌ جافّةٌ من خشب ” !
لذا : عَمِلَ – بِوَحْيِ مُعتَقَداتِهِ – متوازيًا ، في مشرقنا ، مع ” رهبانِ ” المقاومات الشعبية في الغرب : في أميركا اللاتينية ، ومتلاقيًا معهم : مؤمنًا مثلهم كَ” لاهوتِ تحرير ” : في ما رفعوه من شعارٍ قائلٍ بأنّ :” احتجاجاتِ الفقراءِ هي صوتُ الله ” ومُماثلًا لِما قام به الراهبُ الكولومبيّ : كاميليو توريز الذي حمَلَ الصليبَ بِيَدٍ ، والبندقيةَ بِاليدِ الأخرى : مُكافحًا أنظمةَ الظُّلْمِ ، مطالبًا بحقوق الفقراء ، جنبًا إلى جنب ، مع الثوار الماركسيّين : حتى الإستشهاد ؟!
لم تَغِبْ عن ذِهنِهٍ رمزيّةُ مجزرةِ ” فردان ” الشارع المعروف ، في بيروت ، التي قام بها ” الموساد” الإسرائيليّ في 10 / 4 / 1973، بقيادة وزير الحرب الصهيونيّ ، آنذاك : يهودا باراك ، الذي تنكّر بِزيّ ” امرأةٍ شقراء ” واغتال ، غدرًا ، مع مجموعته : ثلاثةً من قادة المقاومة الفلسطينية وهم : كمال عدوان ، كمال ناصر ، وأبو يوسف النجّار ، حيث تعمّد المجرم : باراك – بعد استشهادهم – أنْ ” يقتصَّ ” من الشهيد كمال ناصر ” ألعربي – المسيحيّ ” منتقمًا منه بخمس عشرة رصاصةٍ بعدما ” مدّدَه مصلوبًا على الأرض ” : بِتَشَفٍّ حاقدٍ عليه : لنضالِهِ و” مسيحيّتِه” !! … وبِذِهنِهِ أنّه ” سيُرهِبُ بهِ أمثالَهُ ” ، أو ” يفُتّ في عضُدِ من يأخذه عِبرة ” ؟!
غير أنّ مطران القدس : كبّوجي ، أكملَ دوره الجهاديّ البطوليّ ، كقائدٍ – علَم ، إلى أن اعتقله الصهاينةُ وبحوزته أسلحةٌ للمقاومة الفلسطينية ، في سيارته الخاصّة ، عام 1974، فحكموا عليه بالسجن اثنَيْ عشر عامًا ، ثم أطلقوا سراحه ، بعد أربعِ سنوات : عام 1978، تحت الضغط الفاتيكانيّ / الدّوليّ ، ونُفِيَ إلى روما في إيطاليا .
إلّا أنه عاد عام 2009 ، مُشاركًا ، ومواكبًا ، في ” أسطول الحرية ” لإغاثةِ أهلِ غزّة المُحاصَرين في القطاع .
وقبل أنْ يُغادرَ الحياة ، أمس ، عن 94 عامًا ، في منفاه ، كان قد اطمأنّ إلى أنّ روحَ الشعبِ العربيّ في فلسطين ما زالت زاخرةً بالتضحية والعطاء والفَيْضِ الوجدانيّ ، حينما تأكّد بأنّ ” الأذانَ ” فد رُفِعَ في كنائسِ بيت لحم والقدس ، بعدما منع الصهاينة رَفْعَهُ من مآذن الجوامع ، مادام في تلك الأرض المطران عطا الله حنّا وأمثاله !
هكذا : أهدانا الشمال السوريّ : مطرانًا بحجمِ الوطن الأكبر ، مثلما كان قد وهبنا ، قبله : ، من ” جبلة ” : الشيخ عزّ الدّين القسّام ، الذي استُشهِدَ في أرض أولى القبلتين وثالث الحرمَيْن الشريفَيْن …
بوركْتَ أيّها الشمالُ الذي منحتنا نورَيْن نستضيءُ بهما ، كي لا نتوهَ عن بوصلتنا – الأمّ : فلسطين : قضية العرب ، وأحرار العالَمِ أجمعْ !
طوبى لمَرقَدِكَ أيها المطرانُ المناضل : وعليك رحماتُ شعبنا من محيطه إلى خليجه : فإنّكّ وإنْ رحلتَ …فستبقى حيًّا ورمزًا مُضيئًا في أفئدتنا ؟!

شاهد أيضاً

أبو جمال … جمال الأمل ونسر المقاومة 

​أبو جمال … جمال الأمل ونسر المقاومة  يوم إرتقى الورد الجوري ليكتب بدماء المجد عناوين …