رحَلَ مطرانُ العرب : فهلْ نحفظُ الأمانة ؟ ” بقلم الاستاذ ناصيف ياسين

… وامتطى ” مطرانُ العرب ” : هيلاريون كبّوجي هَمَّ قناعاتِهِ ، من حلب / الشمال السوريّ ، مُوَلّيًا وجهَهُ شطْرَ ” الجُلجُلَةِ ودرب آلامها ” نحو كنيسة المهد ، لِيَتكرّسَ مطرانًا لِ ” زهرةِ المدائن ” عام 1965.
كان مُدرِكًا بِفَيْضٍ روحِهِ ، أنّ عبيرَ الثرى الذي ” الذي اهتزّ فيه جِذْعُ النخلةِ ” فتساقطَ على ” العذراء ” و” طفل المِذْوَدِ – في المغارةِ … رُطَبًا جَنِيّا” ، لا يصحّ أنْ يمْسَسْهُ دَنَسٌ مِن قهرٍ ، أو دَوْسُ اغتصاب ؟!
أيقن المطرانُ ، بثاقِبِ فِكرِهِ ، أنّ ” المسيحَ الفلسطينيّ ” : بروحِهٍ المشرقيّةِ ، وأمدائه العالمية ، هو غيرُ الذي ” استنسخَتْهُ – تهجينًا: المسيحيَّةُ المُتصَهْيِنَةُ ” الداعمةُ للصهيونيةِ ” المُتلبِّسَةِ باليهودية ” : المولودتين من أحشاء الرأسمالية و” العولمَةِ المُتوحِّشة ” !
هكذا وعى المطرانُ الثائرُ ، باكرًا ، تحذيرَ ” المُخَلّصِ ” القاطع : ” لا تعبدوا رَبَّيْن : ألله ، والمال ” … فاختارَ عبادة الله ، في مواجهةِ عبيد المال : من الصهاينةِ وأمثالهم مِن مُغتَصِبي أرزاق الشعوبِ وأوطانهم … وأنّهُ آنَ الأوانُ لِأنْ يُصبِحَ في الكنيسةِ ” رجالٌ قلوبُهُم مِن ذهب ، وصلبانُهُم مِن خشب ” بَدَلَ أنْ يتوشّى – كما يفعلُ بعضُهُم – بصلبانٍ من ذهب ، وفي أجوافِهِم قلوبٌ جافّةٌ من خشب ” !
لذا : عَمِلَ – بِوَحْيِ مُعتَقَداتِهِ – متوازيًا ، في مشرقنا ، مع ” رهبانِ ” المقاومات الشعبية في الغرب : في أميركا اللاتينية ، ومتلاقيًا معهم : مؤمنًا مثلهم كَ” لاهوتِ تحرير ” : في ما رفعوه من شعارٍ قائلٍ بأنّ :” احتجاجاتِ الفقراءِ هي صوتُ الله ” ومُماثلًا لِما قام به الراهبُ الكولومبيّ : كاميليو توريز الذي حمَلَ الصليبَ بِيَدٍ ، والبندقيةَ بِاليدِ الأخرى : مُكافحًا أنظمةَ الظُّلْمِ ، مطالبًا بحقوق الفقراء ، جنبًا إلى جنب ، مع الثوار الماركسيّين : حتى الإستشهاد ؟!
لم تَغِبْ عن ذِهنِهٍ رمزيّةُ مجزرةِ ” فردان ” الشارع المعروف ، في بيروت ، التي قام بها ” الموساد” الإسرائيليّ في 10 / 4 / 1973، بقيادة وزير الحرب الصهيونيّ ، آنذاك : يهودا باراك ، الذي تنكّر بِزيّ ” امرأةٍ شقراء ” واغتال ، غدرًا ، مع مجموعته : ثلاثةً من قادة المقاومة الفلسطينية وهم : كمال عدوان ، كمال ناصر ، وأبو يوسف النجّار ، حيث تعمّد المجرم : باراك – بعد استشهادهم – أنْ ” يقتصَّ ” من الشهيد كمال ناصر ” ألعربي – المسيحيّ ” منتقمًا منه بخمس عشرة رصاصةٍ بعدما ” مدّدَه مصلوبًا على الأرض ” : بِتَشَفٍّ حاقدٍ عليه : لنضالِهِ و” مسيحيّتِه” !! … وبِذِهنِهِ أنّه ” سيُرهِبُ بهِ أمثالَهُ ” ، أو ” يفُتّ في عضُدِ من يأخذه عِبرة ” ؟!
غير أنّ مطران القدس : كبّوجي ، أكملَ دوره الجهاديّ البطوليّ ، كقائدٍ – علَم ، إلى أن اعتقله الصهاينةُ وبحوزته أسلحةٌ للمقاومة الفلسطينية ، في سيارته الخاصّة ، عام 1974، فحكموا عليه بالسجن اثنَيْ عشر عامًا ، ثم أطلقوا سراحه ، بعد أربعِ سنوات : عام 1978، تحت الضغط الفاتيكانيّ / الدّوليّ ، ونُفِيَ إلى روما في إيطاليا .
إلّا أنه عاد عام 2009 ، مُشاركًا ، ومواكبًا ، في ” أسطول الحرية ” لإغاثةِ أهلِ غزّة المُحاصَرين في القطاع .
وقبل أنْ يُغادرَ الحياة ، أمس ، عن 94 عامًا ، في منفاه ، كان قد اطمأنّ إلى أنّ روحَ الشعبِ العربيّ في فلسطين ما زالت زاخرةً بالتضحية والعطاء والفَيْضِ الوجدانيّ ، حينما تأكّد بأنّ ” الأذانَ ” فد رُفِعَ في كنائسِ بيت لحم والقدس ، بعدما منع الصهاينة رَفْعَهُ من مآذن الجوامع ، مادام في تلك الأرض المطران عطا الله حنّا وأمثاله !
هكذا : أهدانا الشمال السوريّ : مطرانًا بحجمِ الوطن الأكبر ، مثلما كان قد وهبنا ، قبله : ، من ” جبلة ” : الشيخ عزّ الدّين القسّام ، الذي استُشهِدَ في أرض أولى القبلتين وثالث الحرمَيْن الشريفَيْن …
بوركْتَ أيّها الشمالُ الذي منحتنا نورَيْن نستضيءُ بهما ، كي لا نتوهَ عن بوصلتنا – الأمّ : فلسطين : قضية العرب ، وأحرار العالَمِ أجمعْ !
طوبى لمَرقَدِكَ أيها المطرانُ المناضل : وعليك رحماتُ شعبنا من محيطه إلى خليجه : فإنّكّ وإنْ رحلتَ …فستبقى حيًّا ورمزًا مُضيئًا في أفئدتنا ؟!

شاهد أيضاً

قصيدة للدكتور عاطف عواد تصف حال المعلم في عيده

لعلّ من مهزلة تردّي أوضاع الأساتذة الثانويين في لبنان أن يحلّ عليهم عيد المعلم ، …