شهية «القوات» بعد الزهد… تعويم مدنيّي الجيل الثاني 

هتاف دهام

يقوم رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع بوضع خطط طويلة الأمد ترسم سياسات حزبه في المراحل المقبلة. يعمل عبر قنوات قواتية وغير قواتية على جسّ نبض حزب الله لإمكانية التفاهم معه.

في احتفال تسلّم وزير الخارجية جبران باسيل رئاسة التيار الوطني الحر، صودفت كرسي النائب القواتي فادي كرم إلى جانب كرسي أحد مسؤولي حزب الله. اقترب كرم من القيادي في المقاومة وسأله صراحة متى ستعقدون معنا كـ«قوات» اتفاقاً كتفاهم مار مخايل. وبحسب مَن وقع في أذنيه الكلام من الجالسين إلى جوارهما، كان جواب ممثل حارة حريك غير إيجابي، قاطعاً الطريق على أيّ كلام آخر.

يمكن القول إنّ القوات حزب ذو هيكلية. يشبّه الزيتيون، حزبهم بحزب الله من حيث التنظيم. لكن في القراءة السياسية الخارجية، حدّث ولا حرج. شطحات الحكيم منذ بداية الأزمة السورية خير دليل. اعتماده على تصريح لمعارض في ما يُسمّى الثورة السورية من هنا، ومسؤولين سعوديين وقطريين وفرنسيين من هناك، كان كافياً ليبرهن أنه سقط في مطبات لم يخرج منها بعد، رغم اقتناعه بفشل مشروع حلفائه.

في الداخل، تقرأ معراب في مشاركتها بحكومة العهد الأولى ثلاثة وزراء إضافة إلى الوزير ميشال فرعون انتصاراً لها.

وفق القواتيين، تشي صورة مشاركة الوزراء غسان حاصباني، بيار أبي عاصي وملحم رياشي بالحكومة الحريرية أنّ وجهاً جديداً يتقدّم. تمثيل يُراعي الطابع المدني للإطلالة. ربما يعبّر عن الجيل الجديد ما بعد الجيل المؤسّس على رأسه الدكتور جعجع، النائب انطوان زهرا، العميد وهبي قاطيشا وغيرهم.

يأتي حاصباني من عالم الاقتصاد يمتلك خبرات في مجالات الاتصالات والمعلومات. أما عرّاب «إعلان النيات» فلديه صداقات في 8 و14 آذار. بدأت علاقته بالحكيم في العام 1994. في حين يشغل بيار أبي عاصي منصب رئيس جهاز العلاقات الخارجية منذ خمس سنوات فور عودته من فرنسا.

تشكل هذه الرموز صورة جديدة خارج نمطية «عسكرية» القوات. لا حساسية سياسية منها، غير معروفة في تاريخها الحزبي، رغم أنها من فريق قائد معراب الشخصي.

يحرص جعجع أن يعكس مشهداً جديداً، مفاده أنه يعوّم وجوهاً مدنية وزارية إرادة وقولاً، في مقابل وجوه تنتمي إلى الايديولوجيا الحزبية الصارمة. يريد أن ينجح في الوزارات، ويؤكد أنه عكس بقية الأحزاب يستطيع تكريس الإصلاح، وإن كانت الحقائب التي حصل عليها لا تمثل شيئاً وفق طموحات ما قبل التأليف.

هل ينسحب ذلك على الخيارات النيابية للقوات اللبنانية في انتخابات البرلمان في أيار المقبل؟ أم أنّ الحكيم بذكاء وشطارة يلبّي المتطلبين، الحفاظ على اللينك مع التاريخ والعسكر واللاهوت من جهة، وتحفيز جيل الشباب ليأخذ دوره بالتوزير من جهة أخرى؟ علماً «أنه يفصل الوزارة عن النيابة، حتى عند المرشحين المرتقبين للانتخابات، إذ لا يجوز أن يكونوا في مجلس الوزراء»، كما يؤكد زهرا لـ«البناء».

لا تغيب الوسطية عن تركيبة حزب القوات. النائب جورج عدوان يلعب دوراً انفتاحياً. يلقب برجل الحوار و«تركيب» التسويات مع القوى السياسية بشكل عام، ومع الرئيس نبيه بري بشكل خاص. يحاول نائب الشوف دائماً التقرّب والانفتاح على زملائه النواب في حارة حريك. يحلو دائماً له أن يقيم عملية تشبيه بين القوات وحزب الله.

في كلّ الأحوال، إنّ مشاركة «قوات معراب» في الحكومة تعبّر عن طموح وعن رغبة جامحة بتقديم نموذج بالعلاقة مع السلطة مختلف عن كلّ المشاركات المتقطعة في الماضي، بالسلطة التنفيذية، خاصة أنّ تلك المشاركات كانت تجري بالواسطة عبر نماذج مثل الوزير السابق إبراهيم نجار الكتائبي سابقاً.

وفق المعنيين، يتقدّم «حزب القوات» اليوم على مشهد طاولة مجلس الوزراء، بإدراك، ضمن رؤية مترابطة يريد من خلالها القول إننا خرجنا جدياً من مرحلة الزهد بالسلطة إلى مرحلة الجموح نحو الرغبة بها. كلّ ذلك يرتبط بطموحات قائده بعد الانتخابات النيابية المقبلة، سواء بتعزيز وضعه التنافسي مع التيار الوطني الحر على ساحة العمل الشعبي «المسيحي» أو ملاقاة المرحلة المقبلة ومتغيّراتها أو ببناء أسس ليكون شخصه المؤهل لوراثة الساحة المسيحية ما بعد الرئيس ميشال عون… بعد عمر طويل.

محلياً، لا يفكر جعجع في الحاضر. لذلك كان رفضه القاطع وحربه الضروس ضدّ انتخاب رئيس تيار المرده النائب سليمان فرنجية رئيساً لما يمثل وصوله في المستقبل من خطر عليه شمالاً. نجح في إحراق حزب الكتائب وسحب البساط من تحت أقدامه بوضع العصي في دواليب تمثيله في حكومة الوفاق الوطني. بات الأخير خارج التشكيلة رافضاً حقيبة دولة، كان المفترض وفق المعنيين أن يقبل بها وأن يكون على رأسها تحديداً النائب سامي الجميّل، فالحكومة حكومة إقرار قانون انتخابي ولن يتجاوز عمرها ستة أشهر.

وفق القواتيين، يخاطب جعجع ما يريد تثبيته هو نفسه أنّ حزبه مؤسسة تصنع «كادرات». يحاكي نماذج الآخرين في الحكومة تيار المستقبل… الحزب الاشتراكي أجلس إلى طاولة مجلس الوزراء ثلاثة شخصيات يعتدّ بها، في حين البعض يأتي بأزلام له.

يقول جعجع، مع هذه الحكومة إنه قادم إلى مكان آخر. لديه أسلوب آخر في العمل ورؤية جديدة، عنوانه الهجوم على السلطة التنفيذية بوجوه غير نافرة أشبه بالتكنوقراطية. الوزراء الثلاثة لم يكونوا في الواجهة. عملوا في الخفاء. حملوا أسراره الشخصية. ربما أدرك «الحكيم» أنّ سياسة الاعتراض والبقاء خارجاً، خسّرته كثيراً ولم تربّحه. فقرّر التأسيس لمرحلة حكومات مقبلة.

شاهد أيضاً

عُرسُ قانا

عُرسُ قانا بقلم اسيل سقلاوي تبسَّمي اليوم باسم الله يا قانا فالمجدُ  عرسٌ و قد …