​لماذا اصبح اسمها روضة الشهيدين

لماذا اصبح اسمها روضة الشهيدين

“روضة الشهيدين”… الحرش الذي أصبح مزارًا
“روضة الشهيدين” معلم جديد من معالم الضاحية الجنوبية ، بدأ أهالي الضاحية يتداولونه منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، فكيف تحوّل الحرش الذي لا تزيد مساحته عن 400 ألف م2  والتابع عقاريًا إلى العاصمة بيروت من مجرّد غابة كثيفة من أشجار الصنوبر تنتشر في فسحاتها ملاعب كروية صغيرة ومرامح تمرينية للخيول إلى مقبرة باتت اليوم تختصر كل لبنان نظرًا لتنوّع الإنتماءات المناطقية والهويات الطائفية للمدفونين تحت ثراها، بالإضافة إلى احتضانها لأكثر من ألفي ضريح حُفرت على شواهدها عبارة “الشهيد”. وها هي “الروضة” اليوم، وبعد أكثر من 38 سنة على تدشينها كمدفن أمر واقع  من قبل الإمام القائد السيد موسى الصدر تتحوّل إلى مزار يومي لا تفارق جنباته روائح البخور والمحلّ الأبرز للتلاقي مع أرواح من غابوا في صباحات عيدي الفطر والأضحى حيث موعد الوفاء وردّ الجميل يتجدّد من عام إلى عام من قِبَل الأبناء للآباء والأجداد، والهدية الدائمة هي هي… “فاتحة ودعاء” مكلّلة بباقات ورد وريحان وبخور وعيزقان.

مدفن الأمر الواقع… الإمام الصدر أطلق الإسم

مع اندلاع الحرب الأهلية في لبنان في 13 نيسان 1975، وعلى أثر مقتل الشقيقين مصطفى ومهدي هاشم (14 و16 سنة) في المنطقة الشرقية من بيروت، رفض بعض أهالي الغبيري السماح لأهل الشابين الصغيرين بدفنهما في جبانة الشياح، وبعد جدل لم يطل كثيرًا حسم فاعلون على الأرض من أبناء الغبيري الموقف وقاموا بإزالة بوابة الحرش والعوائق الإسمنتية ليُصار إلى دفن الصغيرين خلف بوابة الحرش وكان ذلك بُعيد يومين فقط على بدء الحرب الأهلية (15 نيسان 1975)، آملين من خطوتهم تلك وضع اليد وبشكل تدريجي على الحرش، وبالفعل تمّ دفن معظم شهداء تلك المرحلة داخل الحرش مع الحرص على توزيع القبور في معظم الأنحاء بغية تثبيت فكرة تحويل الحرش إلى مقبرة. وفي مطلع شهر تموز من العام 1975 وعلى إثر إنفجار عين البنية (بلدة بقاعية) خلال دورة تدريبية للأفواج الأولى من شباب حركة أمل في البقاع حضر السيد موسى الصدر إلى الحرش ليؤم الصلاة على ثلاثة من الشهداء كانوا قد سقطوا في ذلك الإنفجار المشؤوم، ويومها أطلق الإمام الصدر على المقبرة إسم “روضة الشهيدين” نسبة إلى الشهيدين مصصطفى ومهدي هاشم، دامجاً ما بين الإسمين المقترحَين من الحاج حيدر عواد “جنّة الشهيدين” والشيخ سلمان الخليل “روضة الزهراء”، والجدير ذكره أن مجموعة من الشباب المنضوين تحت راية الأحزاب الوطنية سعوا ذات يوم من العام 1977 للسيطرة على قسم من الأرض تحت عناوين متعدّدة، أبرزها بناء مستشفى لأبناء الضاحية، إلّا أنّ خطوتهم هذه قوبلت بالصدّ من قِبَل الأهالي وبعض قوى الأمر الواقع، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى عمليات شدّ الحبال التي كانت تبرز من حين إلى آخر بين بعض الفصائل الفلسطينية بهدف السيطرة على الحرش ولكن كانت حركة أمل تتصدى لهم، في حين تواصلت عمليّات الدفن في جهات الحرش الأربع، وهذا ما زاد في إتساع رقعة المقبرة على مدى سنوات الفراغ الأمني وتراجع الإهتمام الرسمي. كما وتجدر الإشارة إلى أن أهالي بيروت كانوا قد قاموا بنفس الخطوة إبان ثورة 1958 التي اندلعت في وجه رئيس الجمهورية كميل شمعون الساعي إلى التمديد لحكمه، حيث وضعوا يدهم على الحرش المتاخم لروضة الشهيدين، وهكذا أبصرت النور “مقبرة الشهداء” التي بُني إلى جانبها جامع الخاشقجي ودُفن في ثراها الرئيس صائب سلام.
منارات أضاءت سماء الروضة

نتيجة لسلسلة من الإجتماعات التي عُقِدت في مطلع الثمانينيات وجمعت بين أركان المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى مع القيّمين على بلدية بيروت وقيادات فاعلة في الدولة، تمّ السماح للمجلس الشيعي باستخدام الأراضي الواقعة ضمن نطاق الحرش لبناء مرافق توفّر حاجيات أبناء الغبيري،  ومؤخّرًا أقام حزب الله على فسحة لا تزيد مساحتها عن 400 م2 مدفنًا لشهدائه الذين سقطوا بمواجهة العدو الإسرائيلي وفي مقدّمهم الشهيد عماد مغنية، علمًا أن ورشة بناء المرافق والمعاهد والحوزات والمدارس والحسينيات قد انطلقت بقوّة منذ منتصف الثمانينيات ويضم الحرش حاليًا المنارات الآتية:

مقر عام جمعية كشافة الرسالة الاسلامية منذ العام 1981

ـ الحوزة الدينية (أول مبنى تمّ تشييده داخل الروضة) ـ 1981.

ـ المعهد الفنّي الإسلامي ومسجد الإمام الصادق (ع) وقاعة الإحتفالات الكبرى ومدرسة الضحى، ومنزل الامام شمس الدين، وجميعها تابعة للجمعية الخيرية الثقافية.

ـ حسينية الروضة ومرافق إتمام عمليات الدفن.

ـ مدفن جديد مسيّج لأبناء الطائفة السنية في الغبيري.

ـ مجمّع الإمام القائد موسى الصدر.

ـ نصب تذكاري لشهداء حركة أمل.

ـ مدفن جديد مسيّج لأبناء الغبيري.

ـ مدفن مسيّج لشهداء حزب الله.

ـ ضريح الشيخ محمد مهدي شمس الدين.

هذا، وتقوم بلدية الغبيري بالتنسيق مع لجنة الاوقاف من حين إلى آخر بأعمال الصيانة والتنظيفات اللّازمة وزراعة ما أمكن من الأشجار في الممرّات بالتنسيق مع لجنة الوقف والفعاليات السياسية.

الصنوبر سياج العاصمة منذ مئات السنين

جاء في كتب التاريخ أن الأمير فخر الدين المعني الثاني هو من أمر بزرع أشجار الصنوبر على حدود العاصمة بغية تجميلها وكان ذلك في مطلع القرن السابع عشر، ومن المؤرّخين من يؤكّد أن فخر الدين عمل على إضافة أشجار بهدف إحاطة بيروت بزنار أخضر فيما كانت موجودة بالأساس من القرن الخامس عشر وبعضهم من يقول بأن الأشجار كانت موجودة منذ القرن الثاني عشر (الإدريسي في كتابه نزهة المشتاق في إختراق الآفاق)، ويروى أن مساحة الأحراش المحيطة ببيروت بلغت في أقصى مداها 12 ميلاً مربّعًا حيث كانت تمتد من شاطىء البحر إلى سفوح الجبال، ويدلّ انحسارها لاحقاً إلى تعمّد بعض الجيوش العابرة إلى قطع الأشجار بغية إستخدامها في صناعة السفن والمعدّات العسكرية والعمرانية، وهنا لا بدّ من التذكير باحتراق عدد كبير منها نتيجة أطنان المتفجّرات التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية على العاصمة خلال الإجتياح في العام 1982.

شاهد أيضاً

*✅ يوميّات الإمام القائد السيد #موسى_الصدر*

⌛ الزمان: الخميس – ٢٧/نيسان/١٩٦٧  ⏮ إجتمع الإمام موسى الصدر اليوم مع الرئيس السنغالي ليوبولد …